ابن حبان
73
روضة العقلاء
قلت « 1 » : هذه حكاية غريبة ، وابن حبّان فمن كبار الأئمّة ، ولسنا ندّعي فيه العصمة من الخطأ ، لكن هذه الكلمة التي أطلقها ، قد يطلقها المسلم ، ويطلقها الزّنديق الفيلسوف ، فإطلاق المسلم لها لا ينبغي ، لكن يعتذر عنه ، فنقول : لم يرد حصر المبتدأ في الخبر ، ونظير ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : « الحجّ عرفة » . ومعلوم أنّ الحاجّ لا يصير بمجرّد الوقوف بعرفة حاجّا ، بل بقي عليه فروض وواجبات ، وإنما ذكر مهمّ الحجّ . وكذا هذا ذكر مهمّ النّبوة ، إذ من أكمل صفات النبيّ كمال العلم والعمل ، فلا يكون أحد نبيّا إلّا بوجودهما ، وليس كلّ من برّز فيهما نبيا ، لأن النبوة موهبة من الحقّ تعالى ، لا حيلة للعبد في اكتسابها ، بل بها يتولّد العلم الّلدنّيّ والعمل الصالح « 2 » . وأمّا الفيلسوف فيقول : النّبوة مكتسبة ينتجها العلم والعمل ، فهذا كفر ، ولا يريده أبو حاتم أصلا ، وحاشاه ، وإن كان في تقاسيمه من الأقوال ، والتأويلات البعيدة ، والأحاديث المنكرة ، عحائب ، وقد اعترف أن صحيحه لا يقدر على الكشف منه إلّا من حفظه ، كمن عنده مصحف لا يقدر على موضع آية يريدها منه إلّا من يحفظه . وقال في صحيحه : شرطنا في نقله ما أودعناه في كتابنا ألّا نحتج إلّا بأن يكون في كلّ شيخ فيه خمسة أشياء : العدالة في الدّين بالستر الجميل . الثاني : الصّدق في الحديث بالشّهرة فيه . الثالث : العقل بما يحدّث من الحديث . الرابع : العلم بما يحيل المعنى من معاني ما روى .
--> ( 1 ) أي : الذهبي . ( 2 ) في تاريخ الإسلام ( ص 114 ) : قوله : « النّبوّة : العلم والعمل » ، كقوله عليه السّلام : « الحجّ عرفة » . وفي ذلك أحاديث ، ومعلوم أنّ الرجل لو وقف بعرفة فقط ما صار بذلك حاجّا ، وإنما ذكر أشهر أركان الحج ، وكذلك قول ابن حبّان فذكر أكمل نعوت النبيّ ، ولا يكون العبد نبيّا إلّا أن يكون عالما عاملا ، ولو كان عالما فقط ، لما عدّ نبيّا أبدا ، فلا حيلة لبشر في اكتساب النّبوّة .